مقولة لكل زمان رجاله حكمة تتزامن مع كل حديث يأتي في المقارنة بين زمانين الوقت الحاضر والوقت الماضي ، فالملاحظ أن أكثر من يقارن بين الجيلين الحاضر والماضي من حيث العمر هم فئة كبار السن ويزيد لدى الضعفاء منهم فالنساء هم أكثر من الرجال في استعمال المقارنة بين الزمانين الحاضر والماضي ولعل هذا يعود إلى أنه نوع من الهروب من الواقع الذي يعيشونه وما يشعرون به من الجفاء ممن حولهم ، فهم في الماضي كانوا في بساطة في حياتهم اليومية ، والعفوية تمثل جانباً كبيراً في حياتهم التي عاشوها ، وكانوا في مرحلة الطفولة حيث التلقائية وعدم تحمل المسئولية هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا يعيشون في جو من التقارب الفكري والثقافي حيث الأمية كانت تخيم عليهم نتيجة لظروف الحياة الصعبة التي كانوا يعيشون فيها .
ويقارنون ما كانوا يعيشون فيه بما يرونه اليوم من الجفاء والعقوق في الأبناء وغير ذلك ولعل ذلك يجعلنا كمهتمين بدراسة القضايا الاجتماعية نستحضر ما درسناه لتفسير مثل هذا السلوك.
فالفرد في الماضي لا يمثل نفسه فحسب بل يمثل من ينتمي إليه وهم القرية أو القبيلة أو حتى المنطقة بشكل عام ، فكل فرد كان يحرص على إبراز السلوك الحسن ولو على حساب نفسه مقابل أن يشار إلى من ينتمي لهم بالبنان وهذا ما نعبر عنه بالانتماء للجماعة كل ذلك كان مستحكماً في سلوكهم العام ، وذلك يتمثل في سلوك الكرم والشجاعة والصبر والوفاء وما إلى ذلك . وبالمقابل فاليوم نجد النزعة الفردية بدأت تظهر في السلوك الشخصي لدى الناس ، وهذا ما يفسر لنا كثرة نسب الطلاق بالمقارنة بالماضي والسرقة وما إلى ذلك ، حيث نجد الفرد يحرص على أن يمثل نفسه فقط ولا يهتم بمن هم حوله من الأقارب ،فضعف بذلك صلة الرحم والتواصل مع الأقارب ، فالمثل القديم الذي يقول ( سلام القاطع يوم العيد ) تحول إلى أن أصبح من يتواصل مع أقاربه بزيارتهم فقط يوم العيد هو الواصل رحمه .
وهذا لا يجعلنا دائماً نتحسر على الزمن الماضي بما فيه فالزمن الحاضر شهد تحولات وتطورات كبيرة في مجتمعنا السعودي وذلك يتمثل في زيادة مستوى التعليم بالمقارنة بالماضي حيث كانت الأمية تعشعش في المجتمع واليوم تعتبر نسبة الأمية لدى الشباب ومن هم أقل أي لمن هم تحت سن الثلاثين نسبة معدومة . هذا بالإضافة إلى التطور في طرق المواصلات حيث كان في الماضي المسافة بين الرياض والدرعية تأخذ يوماً كاملاً فاليوم لا نبالغ إذا قلنا أن الدرعية ضمن أحياء الرياض هذا بالإضافة إلى التطور في وسائل التقنية والاتصالات ، بالإضافة إلى التطور في الطب والنواحي الصحية بالمقارنة بالحياة في الماضي وأخيراً وهو مسألة مهمة الأمن الذي ننعم به في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين بالمقارنة بما كان يعيش عليه الأجداد وصعوبة التنقل بين القرى والمدن في أنحاء الجزيرة العربية .
ولعل كل ذلك مما يسهل على أبناء جيلنا التواصل والترابط الاجتماعي وحل مشاكلنا الاجتماعية بأسلوب حضاري وما يتناسب مع معطيات الحضارة التي ننعم بها .
ولكن للأسف نري العكس .
فنرى الذي يتحكم بتوجيه أبنائنا هم الغير سواءً عن طريق وسائل الإعلام المختلفة اوالخدم والسائقين دون أي تدخل منا في رسم الطريقة التي نريد من أبنائنا أن يكونوا عليها .
وهكذا ينشأ جيلنا نشأة متباينة متباعدة ليس بين أفراده انسجام في التفكير أو الثقافة أو الخلق أو السلوك الاجتماعي العام . وهذا هو سر ما نشاهده من انخفاض المستوى الفكري والأخلاقي في أوساط الشباب . حتى ليذهب بعضنا في التشاؤم إلى حد يقطع معه الأمل بكل خير يمكن أن تناله البلاد على أيدي الجيل الحاضر .
ولسنا معهم في هذا التشاؤم ، فعوامل الاضطراب والانحراف الذي يبدو على سلوك أولادنا في المجتمع إلا من رحم الله هي عوامل داخلية نملك بأيدينا التحكم فيها أكثر من أن تكون عوامل خارجية لايد لنا في دفعها .
إننا نحن الآباء نملك بأيدينا بعد الله تقويم اعوجاج الجيل الحاضر والآتي من أولادنا ، كما نملك أن يزداد الأمر سوءاً وفساداً .
أيها الآباء والأمهات ! لنتذكر دائماً مسئوليتنا نحو أبنائنا وبناتنا ، لنتذكر قول الله تبارك وتعالى ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم .
لنتذكر هذا حين نحاول أن نعرف سر الخلود في تاريخ عظمائنا الخالدين وسر الإخفاق في تاريخ رجالنا المعاصرين