لقد استشعر علماء السَّلف «خطورة التَّكسُّب في العلم الشّرعي»، وخصّوا «تدريس القرآن وقراءته وتلاوته»، أولئك الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً.
قال العالم الزّاهد ميمون بن مهران: (يا أصحاب القرآن، لا تتّخذوا القرآن «بضاعة» تلتمسون به الرّبح في الدّنيا، اطلبوا الدّنيا بالدّنيا، والآخرة بالآخرة) انتهى.
وجاء في كتاب «الزُّهد» لابن المبارك ص507 ما يلي: (أقبل عيسى بن مريم عليه السّلام على أصحابه ليلة رُفع فقال لهم: «لا تأكلوا بكتاب الله، فإنّكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدّنيا وما فيها». قال عبدالجبّار: وهي المقاعد التي ذكرها في القرآن: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ») انتهى. والخطورة التي تنبثق من مُعلِّم القرآن ومقرئه، أنّه يُقدّم للنّاس بوصفه «قدوة» و»أمثولة»، حيث يرفعه القرآن، ويجلّ من شأنه تلاوته لآيات الفرقان، الأمر الذي يستوجب أن يكون قدوة قولاً وفعلاً، وإلا ضرّ أكثر من غيره. وقد تنبّه إلى ذلك العالم الزّاهد شميط بن عجلان، حسب ما يروي عنه الإمام أحمد في كتابه «الزُّهد» ص218 ما يلي: (يعمد أحدهم فيقرأ القرآن، ويطلب العلم، حتّى إذا علم، أخذ الدّنيا فضمّها إلى صدره، وحملها فوق رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منّا لو لم يَرَ في الدّنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدّنيا وجمعوها، فمثله كمثل الذي قال الله عزّ وجلّ: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) انتهى.
والأمراض التي ينتجها عالم الدّين من جرّاء ركضه خلف الدّنيا وطلب زينتها في غير ما حاجة ضرورية، بل تفضّل وانبساط، عادة ما تكون أمراضًا فتّاكة وسقطات هدّامة، لذا ما برح السّلف في وصاياهم يحذّرون وينذرون ويتوعّدون من يتّخذ العلم الشّرعي شبكة يصطاد بها الدّنيا وزينتها. ولماذا نذهب بعيداً وهذا الإمام مسلم يروي في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه من حديث طويل عن النّبي صلّى الله عليه وبارك منه: (ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرّفه نعمة فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلّمتُ العلم، وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلّمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أُمر به فسُحب على وجهه حتّى أُلقي في النّار)، نعوذ بالله من التَّكسُّب بالقرآن، ونعوذ بالله من أن نُلقى في النِّيران!.
أكثر من ذلك أخرج الحاكم والدّرامي عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: (كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصّغير، ويهرم فيها الكبير، وتُتّخذ سنّة، فإن عُيّرت يوماً قيل: هذا منكر، قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلَّتْ أمناؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكم، وكثرت قرّاؤكم، وتُفقّه لغير الدّين، والتمست الدّنيا بعمل الآخرة)!!
اللهَ.. ما أجمل الإخلاص والزّهد، وترك المطامع التي أرخصت العلم قبل العلماء، وأفسدت الرّجال قبل النساء.. ولله درّ العالم عبدالعزيز الجرجاني في قوله: